القرطبي

333

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

( كأنما أغشيت ) أي ألبست . ( وجوههم قطعا ) جمع قطعة ، وعلى هذا يكون " مظلما " حال من " الليل " أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . وقرأ الكسائي وابن كثير " قطعا " بإسكان الطاء ، ف‍ " - مظلما " على هذا نعت ، ويجوز أن يكون حالا من الليل . والقطع اسم ما قطع فسقط . وقال ابن السكيت : القطع طائفة من الليل ، وسيأتي في " هود " ( 1 ) إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ( 28 ) قوله تعالى : ( ويوم نحشرهم ) أي نجمعهم ، والحشر الجمع . " جميعا " حال . ( ثم نقول للذين أشركوا ) أي اتخذوا مع الله شريكا . ( مكانكم ) أي الزموا واثبتوا مكانكم ، وقفوا مواضعكم . ( أنتم وشركاؤكم ) وهذا وعيد . ( فزيلنا بينهم ) أي فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا ، يقال : زيلته فتزيل ، أي فرقته فتفرق ، وهو فعلت ، لأنك تقول في مصدره تزييلا ، ولو كان فيعلت لقلت زيلة . والمزايلة المفارقة ، يقال : زايله الله مزايلة وزيالا إذا فارقه . والتزايل التباين . قال الفراء : وقرأ بعضهم " فزايلنا بينهم " ، يقال : لا أزايل فلانا ، أي لا أفارقه ، فإن قلت : لا أزاوله فهو بمعنى آخر ، معناه لا أخاتله . ( وقال شركاؤهم ) عنى بالشركاء الملائكة . وقيل : الشياطين ، وقيل : الأصنام ، فينطقها الله تعالى فتكون بينهم هذه المحاورة . وذلك أنهم ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبد وها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا . قال مجاهد : ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون ، وما أمرناكم بعبادتنا . وإن حمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ذلك دهشا ، أو يقولون كذبا واحتيالا للخلاص ، وقد يجري مثل هذا غدا ، وإن صارت المعارف ضرورية . قوله تعالى : فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ( 29 )

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 83 فما بعد .